أحكام الاختصاص المكاني لدعاوى القضاة في ضوء مقتضيات الفصل 517 من مسودة قانون المسطرة المدنية - بوابة القانون المغربي

اخر الأخبار

اعلان

الاثنين، 16 فبراير 2015

أحكام الاختصاص المكاني لدعاوى القضاة في ضوء مقتضيات الفصل 517 من مسودة قانون المسطرة المدنية

أحكام الاختصاص المكاني لدعاوى القضاة في ضوء مقتضيات الفصل 517 من
مسودة قانون المسطرة المدنية



أحكام الاختصاص المكاني لدعاوى القضاة في ضوء مقتضيات الفصل 517 من مسودة قانون المسطرة المدنية



كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوينائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباطأستاذ زائر بكلية الحقوق سلاباحث قانوني


من المعلوم أن المشرع نظم الاختصاص المكاني للنظر في الدعاوى المدنية بقواعد عامة وردت في قانون المسطرة المدنية . و قد عمل ذات المشرع على تقسيم تلك القواعد و لو بصورة ضمنية إلى قسمين ؛ قسم جعل فيها بعض حالات الاختصاص المكاني من النظام العام كما هو الحال بالنسبة لنوع الدعاوى التي جعل فيها المشرع الاختصاص المكاني منعقدا لمحكمة بعينها كمحكمة العقار مثلا ، بينما القسم الثاني فقد خصصه لحالات الاختصاص المكاني الذي ترك فيه لإرادة الأطراف الحرية في التصرف فيه وفق القواعد المحددة سلفا بموجب القانون . و في هذا الإطار فإن القواعد المتعلقة بحالات الاختصاص المكاني المندرجة في القسم الأول تعتبر من النظام العام إذ يجوز للمحكمة أن تثير اختصاصها من عدمه من تلقاء نفسها، أما ال الحالة الثانية فإن من له المصلحة هو الذي يثير مسألة عدم اختصاص المحكمة بالنظر في الدعوى .
غير أن المشرع لا يكتفي في بعض الحالات بالتقسيم الوارد أعلاه  ، و إنما يعمل على وضع قواعد خاصة للاختصاص المكاني تحكم بعض الأنواع من الدعاوى كما هو الحال بالنسبة لاختصاص المحاكم التي تنظر في الدعاوى المدنية المتعلقة بالقضاة و من في حكمهم.  و لهذا كان لابد من الوقوف على المقتضيات المتعلقة بهذا النوع من الأحكام  ، حتى يتسنى رصد مكامن الخلل الذي شهده العمل القضائي في مثل هذه الدعاوى و ما ترتب عنه من تضارب ، ليتم الوقوف فيما بعد على صورة التحول التي سار فيها واضع مسودة قانون المسطرة المدنية الحالي و مدى صوابه من خطئه .
لذلك فقد كان لزاما علينا تقسيم هذا الموضوع إلى مبحثين ؛ نخصص الأول منهما إلى اختلاف التوجهات في مسألة الاختصاص المكاني للدعاوى المدنية الخاصة بالقضاة و أزواجهم  بينما نخصص الثاني لتقييم ما جاءت به مسودة قانون المسطرة المدنية الحالية .
المبحث الأول : اختلاف التوجهات في مسألة الاختصاص المكاني للدعاوى المدنية الخاصة بالقضاة و أزواجهم
منذ أن وضع المشرع قواعد قانون المسطرة المدنية سنة 1974 لم يقم بأي تغيير في مقتضيات الفصل 517 الذي ينظم قواعد الاختصاص المكاني الخاص بالدعاوى التي يكون أحد القضاة أو أزوجهم طرفا فيها ، إلا أن تفاسير الشراح كما العمل القضائي اضطربت في التعاطي مع تلك المقتضيات ، و هو الأمر الذي يظهر جليا من خلال إنتاجات و كتابات الباحثين من جهة و العمل القضائي من جهة أخرى . و هو ما يلزمنا بضرورة الوقوف على مكمن الخلل في الفهم ( المطلب الأول ) الذي أدى بنا إلى خلل في التفسير و التطبيق ( المطلب الثاني ) .
المطلب الأول : دواعي الخلل في الفهم الصحيح لقواعد الفصل 517 من ق م م
في البداية لابد من التذكير بأن القواعد المتعلقة بالدعاوى المدنية تحكمها قواعد قانون المسطرة المدنية بصورة أصلية ، غير أن هذه القواعد لا تحكم جميع صور الدعاوى المدنية . إذ أن المشرع المغربي وضع لذلك ضوابط لابد من الوقوف عندها حتى يتم الفصل في تلك الدعاوى من طرف الجهات القضائية المختصة .  و قد عملت مجموعة من الأسباب دورا بارزا في تحريق مقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية ، ساهمت في جعل التفاسير تنقسم على نفسها بخصوص قواعد الاختصاص  المكاني لهذا النوع من الدعاوى ؛ و هنا يمكن أن نسلط الضوء على سببين رئيسيين ؛ أولهما متعلق بتوزيع قواعد الاختصاص المكاني الخاص بهذا النوع من الدعاوى بين قانون المسطرة المدنية و قانون المسطرة الجنائية، و ثانيهما مرتبط بقاعدة يُعمل بها من غير تدقيق ،و هما سببان  يشكلان وجهان لعملة واحدة في مسألة واحدة و مرتبطان بسوء قراءة مقتضيات القانون .
فيما يتعلق بالقاعدة المعمول بها مع سوء التدقيق ، فإن الأمر يعني ما أصبح من المسلمات التي تفيد أن  ” الأصل في القواعد المسطرية هو ما ورد بقانون المسطرة المدنية باعتباره الشريعة العامة ، و أن ما لم يتم التنصيص عليه في قواعد قانون المسطرة الجنائية يُرجع فيه إلى قانون المسطرة المدنية ” . هذه القاعدة التي يتم تداولها بقوة بل و تؤطر تفكير معظم الفاعلين في الحقل القانوني غدتها تفاسير متعددة لم تراعِ ما أخذ به المشرع المغربي من تنظيم و ضبط للعلاقات بين قواعد قانون المسطرتين المدنية و الجنائية .
و لعل القراءة السليمة و الأمينة للقواعد المتعلقة بالأحكام التي جاءت بكل من قانون المسطرة المدنية و تلك الواردة بقانون المسطرة الجنائية ستجعلنا نقف عند تغافل تلك التفسيرات و التطبيقات للمقتضيات الواردة بالمادة 752 من قانون المسطرة الجنائية التي تضع الإطار العام للعلاقة بين كل من قواعد قانون المسطرة المدنية و تلك التي يتضمنها قانون المسطرة الجنائية .
فبالرجوع لمقتضيات المادة 752 من قانون المسطرة الجنائية نجدها تنص على أنه : ” تطبق أحكام قانون المسطرة المدنية المصادق عليه بالظهير الشريف رقم 1.74.474 الصادر في 11 من رمضان 1394 (28 شتنبر1974) على الدعاوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري، كلما كانت غير متناقضة مع المقتضيات الخاصة لهذا القانون والمتعلقة بنفس الموضوع. ” . إذ أن القارئ لن يجد كثير عناء في الوصول إلى كون فكرة الرجوع إلى قواعد قانون المسطرة المدنية باعتبارها الشريعة العامة إنما تنحصر في ضبط قواعد تسيير الدعاوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري دون القواعد المنظمة للدعوى العمومية هذا من جهة ، و من جهة أخرى فإن تحكيم قواعد قانون المسطرة المدنية في الدعاوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري  – و التي يصطلح عليها الشراح بالدعوى المدنية التابعة – ينحصر فيما لا يتناقض مع المقتضيات التي تحكم تلك الدعاوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري .
فالوقوف على حقيقة هذه الأحكام في قانون المسطرة الجنائية يجعل القاعدة المسلم بها من كون الأصل في القواعد الإجرائية هو ما نصت عليه قواعد قانون المسطرة المدنية قاعدة غير دقيقة و غير صحيحة . مما يؤثر سلبا في طريقة تصريف بعض جوانب الخصومات أمام القضاء الزجري بمختلف أنواعه سواء النيابة العامة أو قضاء الحكم .
فالعلاقة التي يثبتها المشرع بين القواعد الواردة في القانونيين علاقة منحصرة فقط في الأحكام التي تنظم الدعوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري بشرط عدم التناقض بين قواعدها كما جاءت بقانون المسطرة الجنائية و تلك الواردة بقانون المسطرة المدنية ، و في هذا السياق يعتبر من قبيل القواعد غير المتناقضة ما يتعلق بالشروط الشكلية لإقامة الدعاوى المدنية أمام القضاء الزجري و ما يرتبط بطرق الطعن و وسائل الإثبات و ما إلى ذلك ما دامت قواعد قانون المسطرة الجنائية لم تشر لا من قريب أو بعيد لتلك القواعد ، فيكون من حق أطراف الدعوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري أن يطعنوا في الأحكام الصادرة في تلك الدعاوى بكافة أنواع طرق الطعن الواردة بقانون المسطرة المدنية كما يجوز للغير أن يطعن بتعرض الغير الخارج عن الخصومة .غير أن هناك بعض القواعد التي تتناقض مع ما ورد بقانون المسطرة المدنية كما هو الأمر مثلا بقواعد الاختصاص المكاني للنظر في الدعوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري .
فالمشرع الذي أعطى الحق للأطراف في إقامة دعاوى التعويض أمام المحاكم المدنية أو المحاكم الزجرية ، جعل هذا الخيار مرتبطا بالاختصاص النوعي فيما يتعلق بتفضيل القضاء الزجري أم القضاء المدني . لكن عندما يتعلق الأمر بالاختصاص المكاني ؛ فإن الاختيار القائم على تقديم دعوى التعويض أمام المحكمة الزجرية التي تنظر في الدعوى العمومية يجعل بالضرورة قواعد الاختصاص المكاني منضبطة لما ورد بقانون المسطرة الجنائية في المادة 259 التي تنص على أنه : ” يرجع الاختصاص، مع مراعاة مقتضيات القسمين الأول والثاني من الكتاب السابع من هذا القانون إلى المحكمة التي يقع في دائرة نفوذها إما محل ارتكاب الجريمة، وإما محل إقامة المتهم أو محل إقامة أحد المساهمين أو المشاركين معه في الجريمة، وإما محل إلقاء القبض عليهم أو على أحدهم، ولو كان القبض مترتبا عن سبب آخر.” و بالتالي فإن الاختصاص المكاني للمحكمة الزجرية هو الذي يحدد المحكمة الزجرية المختصة مكانيا للنظر في الدعاوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري؛ و ذلك حيادا على القواعد الواردة بقانون المسطرة المدنية عموما و ما ورد بالفصل 517 من نفس القانون على وجه الخصوص .
و على ذلك كله يمكن القول بأن القراءة غير السليمة و غير الدقيقة لهذه المقتضيات و خاصة تلك الواردة بالمادة 752 هي التي جعل المعتقد القائل بكون قواعد المسطرة المدنية هي الشريعة العامة تؤطر طرق و أنماط التفكير لدى شراح القانون و الباحثين فيه و هو ما سبب اضطرابا في العمل القضائي .
المطلب الثاني : مظاهر الخلل في تفسير و تطبيق مقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية 
لم تكن التفاسير التي أعطيت لمقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية واضحة بالقدر الذي كان عليه موقف المشرع ، فقد ذهب فريق كبير من الشراح و المفسرين – و بطريقة شبه موحدة  – إلى القول بأن الدعاوى المدنية المتعلقة بالتعويض عن الجرائم و التي يكون أحد أطرافها قاض أو أي شخص ممن ذكروا بالفصل المذكور  يجب أن تنظر فيها المحاكم التي يحددها السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض تطبيقا لمقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية . غير أن هذا التوجه لا نبالغ إذا قلنا بأنه خاطئ بالمرة ، و ذلك للعل الواردة أعلاه زيادة على كون مقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية حدد الدعاوى التي تطبق عليها مقتضياته .
فقد جاء بالفصل 517 من قانون المسطرة المدنية أنه : ” إذا كان قاض من قضاة محكمة الاستيناف أو المحكمة الابتدائية أو زوجه طرفا في الدعوى بصفة مدع أو مدعى عليه أصدر الرئيس الأول لمحكمة النقض بناء على طلب من يعنيه الأمر قرارا يقضي بتعيين المحكمة التي ستنظر في القضية خارج دائرة محكمة الاستيناف التي يزاول القاضي فيها مهامه وذلك خلافا لقواعد الاختصاص المشار إليها في هذا القانون. يكون كل حكم صادر بدون هذا القرار باطلا. ” و كما هو واضح من مقتضيات هذا الفصل فأحكامها لا تتعدى الدعاوى المدنية التي تقام وفق قواعد المسطرة المدنية و أمام المحاكم غير الزجرية. إذ لا مفهوم لعبارة الدعوى في هذا الفصل غير الدعوى المدنية العادية ما دام المشرع قد جعل ضابط تطبيق قواعد قانون المسطرة المدنية بما فيها قواعد الاختصاص على الدعاوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري هو تحقق شرط عدم التناقض . و ما دام أن هذا الشرط غير متحقق في حالة اختيار إقامة الدعوى المدنية أمام القضاء الزجري فإن قواعد الاختصاص المكاني لهذا الأخير هي المعتمدة و ليس قواعد قانون المسطرة المدنية ؛ و يؤكد هذا الطرح ما أقره المشرع ذات في المادة 9 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه : ” يمكن إقامة الدعوى المدنية والدعوى العمومية في آن واحد أمامالمحكمةالزجرية المحالة إليها الدعوى العمومية. “ و لن تكون هذه المحكمة إلا المحكمة المختصة مكانيا وفق مقتضيات المادة 259 من قانون المسطرة الجنائية ؛ إذ العبرة بالاختصاص المكاني للمحكمة الزجرية دون غيرها .
و لعل ما يزيد من سوء تطبيق الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية كون بعض الشراح انطلقوا من صياغة غير سليمة لمقتضياته  ، إذ  اعتمدوا على صياغة أُسقِطت منها عبارة اسم الإشارة ” هذا ” التي أوردها المشرع في الفصل من خلال عبارة : ” وذلك خلافا لقواعد الاختصاص المشار إليها في هذا القانون ” مما أعطى للفصل مدلولا آخر غير ما قصده المشرع . فاسم الإشارة الذي استعمله المشرع في الفصل يدل على أن مقتضياته تعني قواعد الاختصاص المكاني المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية دون سواها و لا يجوز تمديدها لتشمل قواعد الاختصاص المكاني الواردة بقانون المسطرة الجنائية .
  لهذا الاتجاه الذي ذهب إلى كون مقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية يطبق على الدعاوى المتعلقة بالتعويض و لو أقيمت أمام القضاء الزجري بما ذهب إليه الأستاذ عبد الواحد العلمي عندما ذهب إلى أنه :  جاء في المادة 517  من قانون المسطرة المدنية بأنه : ” إذا كان قاض من قضاة محكمة الاستيناف أو المحكمة الابتدائية أو زوجه طرفا في الدعوى بصفة مدع أو مدعى عليه أصدر الرئيس الأول لمحكمة النقض بناء على طلب من يعنيه الأمر قرارا يقضي بتعيين المحكمة التي ستنظر في القضية خارج دائرة محكمة الاستيناف التي يزاول القاضي فيها مهامه وذلك خلافا لقواعد الاختصاص المشار إليها في القانون. يكون كل حكم صادر بدون هذا القرار باطلا. ” فالنص و لو أنه وارد في قانون المسطرة المدنية فهو عام و واجب التطبيق كذلك أمام المحكمة الزجرية لتصور إمكانية انتصاب أحد القضاة أو زوجه مثلا طرفا في الدعوى الزجرية للمطالبة أمام المحكمة الابتدائية أو الاستئنافية التي يمارس ضمن نفوذها مهامه بتعويض الضرر الناجم مباشرة عن جريمة من الجرائم ( حادث سير مثلا ) و هو ما منعه المشرع اتقاء للشبهات مما يؤدي عمليا إلى نقل الاختصاص بنظر الدعوى في هذه الحالة لمحكمة أخرى – خلافا لقواعد الاختصاص العادية – بناء على الطلب الذي يرفعه المعني بالأمر إلى الرئيس الأول للمجلس الأعلى الذي يخول له القانون صلاحية تحديد المحكمة – خلافا لقواعد الاختصاص المعتادة – التي يرى بأنها أضمن لتحقيق العدالة ”  ( عبد الواحد العلمي : شروح في القانون الجديدي المتعلق بالمسطرة الجنائية ، الطبعة الأولى ، سنة 2009 ، الجزء الثاني ، ص 233 . ).
  فكما هو واضح مما ذكر أن القراءة التي ذهب إليها الأستاذ عبد الواحد العلمي قائمة على إسقاط اسم الإشارة من الفصل مما أثر بصورة جذرية على مقصود المشرع في تحديد قواعد الاختصاص المكاني في دعاوى التعويض المقامة أمام القضاء الزجري و التي يكون فيها أحد القضاة أو زوجه طرفا فيها . و لذلك فقد خلص – بعد هذا الإسقاط لاسم الإشارة و الذي يدل في جوهره على تحديدي القانون المقصود و حصره في  القواعد القانونية المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية دون غيرها –  إلى أن مقتضى الفصل موضوع التعليق جاء عاما يشمل مختلف صور الدعاوى التي يكون فيها أحد القضاة أو زوجه طرفا فيها ، و هو اتجاه مجانب للصواب وفق ما فصلنا فيه أعلاه .
و قد تسربت هذه المجانبة للصواب في العمل القضائي من خلال تحديد معنى الدعوى الواردة في الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية من غير مراعاة القواعد الآمرة للمسطرة الجنائية بل بالارتكاز على الغاية التي توخاها القاضي المتضرر ؛ فقد جاء في القرار رقم 751الصادر عن السيد الرئيس الأول للمجلس الأعلى سابقا  بتاريخ 12-11-1992 ملف رقم 4318 – 92 ما يلي : ” في جوهر الطلـب حيث إن السيد محمد الصديقي نصب نفسه مطالبا بالحقوق المدنية بواسطة مذكرة كتابية في القضية الجنحية رقم 360/92 المتهم فيها السيد مصطفى ابن تاشفين أمام المحكمة الابتدائية بسلا بالجرح وأن السيد محمد الصديقي، كما ثبت لنا ذلك، يشغل منصب قاض بتلك المحكمة الواقعة في الدائرة القضائية لمحكمة الاستئناف بالرباط.
وأنه يجب بالتالي تعيين محكمة ابتدائية أخرى طبق الفصل 517 ق.م.م. * في وجوب بت القاضي الزجري في الدعويين العمومية والمدنية معا.
حيث إنه إذا كان القاضي المدني لا يبت إلا في الدعوى المدنية وحدها فإن القاضي الزجري الذي رفعت إليه الدعويان العمومية والمدنية طبق أحكام قانون المسطرة الجنائية ملزم بالبت في نفس الوقت فيهما معا.
وأن مبادرة تحريك الدعوى المدنية أمام القاضي الزجري تثير تلقائيا وفورا انطلاق تحريك الدعوى العمومية.وأنه استنادا إلى هذه القواعد الآمرة يجب ألا تفصم الدعوى العمومية عن الدعوى المدنية إذا وقع اختيار المجني عليه المتضرر على رفع هذه الأخيرة إلى القاضي الزجري. ” فكانت النتيجة هي الأمر : ” بسحب القضية الجنحية رقم 360/92 من المحكمة الابتدائية بسلا وإحالتها برمتها على المحكمة الابتدائية بالقنيطرة ليتم النظر في شطريها الجنائي والمدني معا. “
و مما يلاحظ على هذا القرار أنه لم يُبرر على ما يقتضيه القانون ، و إنما تم تبريره بالغاية من رفع الدعوى المدنية أمام القضاء الزجري ، و هو أمر لم يقل به المشرع المغربي و لم يأخذ به بل أخذ كما تم تفصيله أعلاه بما يحدد الاختصاص المكاني وفق ضوابط قانونية محددة . غير أن ما يلاحظ هو وجود نوع من التطابق بين الأساس الذي سار عليه هذا  الجانب من القضاء و الجانب الآخر من الشراح .
و إذا كان بعض العمل القضائي ذهب الاتجاه السالف الذكر موافقا في ذلك ما سبقت الإشارة إليه من اتجاه بعض شراح القانون و إن بأسباب مختلفة ، فإن اتجاها ثانيا للعمل القضائي بخصوص مقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية نحى منحىً سليما عندما ميز بين دعوى التعويض المقامة أمام القضاء الزجري و تلك المقامة أمام القضاء المدني من حيث قواعد الاختصاص المكاني و أسس اتجاهه على خلو قواعد قانون المسطرة الجنائية من أي مقتضى مشابه لما جاء بالفصل 517 المذكور مما يجعل إذن الرئيس الأول لمحكمة النقض بتحديد المحكمة المختصة مكانيا غير لازم في الحالة التي يتعلق فيها الأمر بدعوى تعويض مقامة أمام القضاء الزجري .
فقد جاء في القرار رقم 7476 الصادر بتاريخ 2 أكتوبر 1984ملف جنحي رقم 19723 – 19724 أنه : ” وفي شأن الوسيلة الثانية المتخذة من خرق الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية انطلاقا من أن القرار المطعون فيه أيد الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء باختصاصها من أجل البت في دعوى مقامة من طرف أحد القضاة الذين يعملون بالمحكمة المذكورة مخالفة بذلك الفصل 517 من نفس القانون الذي يمنع ذلك ويعتبر كل حكم صادر في هذه الأحوال باطلا.
حيث يتجلى من تنصيصات القرار المطعون فيه انه أورد ما يلي: أن الدعوى موضوع النازلة هي في الأصل دعوى مدنية تابعة غير خاضعة في إقامتها للحصول على الإذن من الجهات المسؤولة مما يكون معه الدفع المشار بشأن عدم الاختصاص غير قائم على أي أساس سيما وأن قانون المسطرة الجنائية الواجب التطبيق لم يرد فيه نص بمثابة مقتضيات الفصل المذكور مما يكون معه القرار قد طبق القانون تطبيقا سليما ولم يخرقه في شيء وتكون معه الوسيلة غير مرتكزة على أساس. ” لتكون النتيجة رفض طلب النقض .
و يعتبر هذا التوجه القضائي مُعَبِّرا حقيقة عن عدم الاعتداد بقاعدة كون ” قواعد قانون المسطرة المدنية هي الشريعة العامة ” و مقيما للفصل التام بين قواعد قانون المسطرة الجنائية و قواعد قانون المسطرة المدنية ، خاصة وأنه صادر عن محكمة الرقابة على القانون و ليس عن السيد الرئيس الأول لدى محكمة النقض  ( المجلس الأعلى سابقا ) ة الذي يعتبر تدخله مجرد تدخل مسطري .
و قد سار العمل القضائي على هذا التأرجح بين الفريقين بالرغم من وضوح الرؤية التشريعية بخصوص هذه النقطة القانونية ؛ و هو ما يجعل السؤال مطروحا حول موقف المشرع المغربي بخصوص الزيادة في توضيحها خاصة و أننا نشهد ثورة تشريعية ستمس قواعد قانون المسطرة الجنائية و تلك المتعلقة بالمسطرة المدنية . مما يجعلنا نتساءل حول ما إذا كان واضعو المسودات قد انتبهوا لهذا الخلل في التطبيق و عالجوه بمزيد من الحكمة أو التأثر ؟
المبحث الثاني : تقييم موقف واضع مسودة قانون المسطرة المدنية من قضية الاختصاص المكاني لدعاوى القضاة و أزواجهم
إن تقييم موقف واضع مسودة قانون المسطرة المدنية لابد و أن ينطلق من معطيين ، أولهما متعلق بموقف ذلك الواضع من تعديل قواعد قانون المسطرة الجنائية بشأن علاقتها مع تلك الواردة بقانون المسطرة المدنية ، و أما الثاني فتتعلق بما يمكن أن يسببه التعديل الذي هم الفصل 517 من مسودة قانون المسطرة المدنية بمفرده .
بالرجوع للقواعد الواردة بمسودة قانون المسطرة الجنائية و ما ورد بها من تعديلات نجد أن واضع تلك المسودة احتفظ بنفس قواعد الاختصاص الواردة بالمادة 259 من نفس القانون مع إضافة قاعدة رابعة للاختصاص  و هي ” محل المؤسسة السجنية المعتقل بها أحد الأشخاص المشار إليهم في هذه المادة .” كما أنه لم يغير أي شيء بخصوص مقتضيات المادة 752 من قانون المسطرة الجنائية . و هذه الملاحظة على قدر كبير من الأهمية ؛ إذ ترصد لنا مدى وفاء واضع قواعد قانون المسطرة الجنائية للمبادئ التي أسس عليها هذا القانون و هي مبادئ منسجمة إلى حد كبير مع الرؤية القائمة على استقرار الأحكام القانونية و الفصل التام بين قواعد قانون المسطرة الجنائية و تلك المرتبطة بالمسطرة المدنية .
غير أن الوضع مخالف لما هو عليه بمسودة قانون المسطرة المدنية ، إذ تمت إعادة صياغة الفصل 517 و ذلك بحذف اسم الإشارة ” هذا ” كما كان واردا في صيغته الجاري بها العمل ، فأصبحت مقتضيات الفصل 517 من المسودة على الشكل التالي : ” إذا كان قاض من قضاة محكمة أول درجة أو محكمة ثاني درجة أو زوجه طرفا في الدعوى بصفة مدع أو مدعى عليه أصدر الرئيس الأول لمحكمة النقض بناء على طلب من يعنيه الأمر قرارا يقضي بتعيين المحكمة التي تنظر في القضية خارج دائرة محكمة ثاني درجة التي يزاول القاضي مهامه فيها، وذلك خلافا لقواعد الاختصاص المحلي المشار إليها في القانون. يكون كل حكم صادر بدون هذا القرار باطلا ” . فهل يعتبر هذا الاتجاه تراجعا من واضع مسودة قانون المسطرة المدنية عن موقف الفصل بين مقتضيات القانونين و بالتالي تبعية قواعد الاختصاص المكاني مثل هذه الحلات لما نصت عليه المسطرة المدنية و عدم الاعتداد بالقواعد الواردة بقانون المسطرة الجنائية ؟
إن فحص التوجه الذي سارت عليه مسودة قانون المسطرة المدنية سيكشف عن انعدام الرؤية المتكاملة لواضع المسودة المذكورة ، ذلك أن جعل قواعد الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية عامة و غير محددة بالدعاوى المرفوعة أمام المحاكم المدنية دون الزجرية  من شأنه أن يحدث اضطرابا حقيقيا في مجموع قواعد المحاكمة الجنائية ، و جعلها في مجموعة من الأحوال تابعة للمصالح الشخصية لبعض الأطراف .
ففي الوقت الذي كان على واضع المسودة على الأقل نهج نفس ما سار عليه واضع قواعد مسودة قانون المسطرة الجنائية و السكوت على مقتضيات تلك المادة أو الزيادة في توضيحها بالزيادة في توضيح عبارة – في هذا القانون – نجده قد تراجع عما كان معمولا به وفق صيغة 1974 ، و كأنه تأثر بموقف الشراح و انتصر لبعض الاتجاه القضائي في صورته الأولى التي أشرنا إليها أعلاه . و هذا الموقف هو ما سوف يدفعنا إلى التساؤل حول مدى الاضطراب المنتظر – في حالة الإبقاء على هذه الصياغة بشكلها الحالي كما هي واردة في مسودة قانون المسطرة المدنية – على قواعد الاختصاص المكاني الخاص بالدعوى العمومية و ما سيشكله ذلك من تعقيد في الإجراءات و تداخل في الاختصاصات و المهام بين مجموعة من الأجهزة القضائية بما سيعيق تحقيق فكرة المحاكمة العادلة القائمة على أساس إصدار الأحكام في الأجل المعقول.
إن جعل مقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية عامة و مطلقة تسري على جميع أنواع القضايا المدنية التي يكون أحد القضاة أو زوجه طرفا فيها ، سواء أرفعت تلك الدعاوى أمام القضاء الزجري أو أمام القضاء المدني ، من شأنه أن يؤثر على قواعد الاختصاص المكاني الذي يعتبر من النظام العام بصورة أو بأخرى في إطار الاختيارات التي حددها المشرع في المادة 259 من قانون المسطرة الجنائية و لا يجوز تجاوزها و لو بقرار قضائي كيفما كانت طبيعته ، لأن تلك القواعد متعلقة بالدعوى العمومية التي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تدخل في نطاق تطبيق مقتضيات الفصل 517 من قانون المسطرة المدنية .
و كما هو معلوم فإن حسم الاختيار بشأن علاقة مقتضيات الدعوى العمومية بقواعد قانون المسطرة المدنية ، يعتبر أساسا لإعادة النظر في ما ذهب إليه واضع مسودة قانون المسطرة المدنية ، إذ لا يمكن الإبقاء على خيار الاستفادة من حق إقامة دعوى التعويض أمام القضاء الزجري و في ذات الوقت يمنع على القاضي أو زوجه الاحتكام إلى نفس المحكمة الزجرية بحجة مقتضيات الفصل 517 و إلا كان الحكم باطلا .
فهذا النهج الذي سار عليه واضع مسودة قانون المسطرة المدنية غير قائم على أساس لسببين :
أولهما خلق وضع مخالف لقاعدة دستورية تقوم على مساواة الجميع أمام القانون و تمتعهم بنفس الحقوق ،
و ثانيهما أنه لا يمكن الجمع بين الخيار القائم بموجب المادة  9 من قانون المسطرة الجنائية التي تنص على أنه : ” يمكن إقامة الدعوى المدنية والدعوى العمومية في آن واحد أمام المحكمة الزجرية المحالة إليها الدعوى العمومية ” باق من جهة و كون أحكام الدعوى العمومية لا تخضع بأي وجه من الوجوه لقانون المسطرة المدنية من جهة أخرى .
هنا سنكون أمام حالة حقيقية من التناقض بين ما قد تفرزه تطبيقات الفصل 517 كما ورد بمسودة قانون المسطرة المدنية و ما هو معمول به في قانون المسطرة الجنائية ؛ و هي الحالة التي ستعصف بحقوق هذه الفئة من المواطنين و قد تضر بمصالح الغير كذلك . إذ لا يمكن الجمع بين مقتضيين يعتبران من النظام العام ، أولهما هو حرية الأشخاص في الانتصاب أمام القضاء الزجري مطالبين بحقوقهم المدنية و ثانيهما جعل الدعاوى المدنية التي يكون أحد أطرافها قاضيا أو زوجه بما في ذلك دعاوى التعويض خاضعة لشكلية رفع الأمر للسيد الرئيس الأول لمحكمة النقض بغرض تحديد المحكمة المختصة مكانية للفصل في دعوى التعويض الناتجة عن ارتكاب جريمة .
و لذلك فإننا نرى أن يعدل واضع مسودة قانون المسطرة المدنية عن هذا الاتجاه الذي سار فيه و يعيد الأمور إلى نصابها حتى تبقى الصورة قائمة على شكلها الطبيعي . و إلا فإن مجموعة من الأوضاع القانونية ستضطرب  و ستتأثر مجموعة من الحقوق ، كما هو الحال مثلا بالنسبة للحالة التي قد يكون فيها المتهم معتقلا و ينتصب أحد القضاة أو زوجه مطالبا بالحق المدني ؛ فهل في هذه الحالة يبقى المتهم معتقلا لمجرد انتظار المحكمة التي سيحددها السيد الرئيس الأول لمحكمة النقض ؟ و في حالة ما إذا صدر الحكم في الدعويين العمومية و المدنية من غير هذا الإذن هل سيؤثر ذلك على الدعوى العمومية أم لا ؟، و في حالة اقتصار التأثير على الدعوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري فباي حق سيمنع القاضي أو زوجه من حق الاختيار في إقامة دعواه تلك أمام القضاء الزجري لما تتيحه هذه الإمكانية من مزايا و حقوق ؟ و إذا بطل الحكم الصادر في الدعوى المدنية المقامة أمام القضاء الزجري ألا يعتبر ذلك ضربا لمجموعة من القواعد القانونية المنظمة للدعوى العمومية ؟ هذه الأسئلة و غيرها هي ما سوف يشكل قاعدة لصعوبة تطبيق هذا التوجه الذي سار فيه واضع مسودة قانون المسطرة المدنية إن لم نقل استحالة ذلك التطبيق .
إن خيار الفصل بين قواعد قانون المسطرة المدنية  و تلك المتعلقة بالمسطرة الجنائية و عدم الاعتداد بالمقولات الجاهزة المستهلكة كما هو الحال بالنسبة لما يطلق عليه بأن ” قواعد قانون المسطرة المدنية تعتبر الشريعة العامة ” في غياب الأخذ بعين الاعتبار لما نصت عليه مقتضيات المادة 752 من قانون المسطرة المدنية  يعتبر ركنا أساسيا في حل مجموعة من الأوضاع القانونية التي قد تعترض الوصول إلى محاكمة عادلة ،, لا يجوز للمشرع أن يتراجع عن هذه المبادئ و إلا فإنه سيكون مضطرا إلى إعادة النظر في مختلف جوانب فلسفته من العلاقة القائمة بين القانونيين و ما يستتبع ذلك من حتمية المراجعة الشاملة و الكاملة لمجموعة القواعد القانونية المرتبطة بهما .
تم بحمد الله تعالى .

اعلان