القانون القوي - بوابة القانون المغربي

بوابة القانون المغربي

المدير المسؤول : محمد برغاز

اخر الأخبار

اعلان

الاثنين، 16 فبراير 2015

القانون القوي

القانون القوي !!

القانون القوي





كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي
نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط
أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا
باحث قانوني





ينظر الملاحظ إلى النسق الاجتماعي للمجتمعات فيجد أن العلاقات التي تنظمها غالبا ما تتوزع إلى قانونيين ؛ قانون أصيل و آخر دخيل .قانون أصيل تنبع قواعده من رحم معتقده و قيمه السائدة فيه ، و آخر دخيل له من السطو ما يجعل تلك المجتمعات خاضعة لحكمه و لو قسرا .


أصالة القانون تأتي من التناغم القائم بين هوية الفرد باعتباره الذات الخاضعة لحكم القانون وقواعد هذا القانون . فكلما تأكد التناغم وجودا كلما كانت الحاجة إلى الضبط القوي والفوقي للقانون منعدمة ، خاصة و أن الانقياد لحكم محددات الهوية انقياد سلس قائم على الطوعية النابعة من الفطرة و الاعتياد الملازم للشخص ، الأمر الذي يؤدي بالضرورة إلى جعل القانون سلوكا يوميا حاكما لكل الحركات و السكنات التي يأتيها الأفراد بنفس القدر الذي يؤدي إلى التقليل من الصراعات المصلحية القائمة على خرق القواعد الحاكمة للسلوك الفردي داخل المجتمع .


و لعل النتيجة التي سيقف عندها الملاحظ لتأثير القانون الأصيل على الفرد و الجماعة على السواء تتجسد في ذلك التصالح القائم بالفطرة بين حكم القاعدة القانونية الحاكمة وإرادة الخضوع لذلك الحكم . فلا نكاد حينها نجد فارقا بين ما يُسن و يُشرع و مايُنزل على أرض الواقع ، و هو أمر غاية في الأهمية الأمر يحقق التناغم المنشود بين طرفي العلاقة المعقدة ( القانون و الواقع) .


غير أن نُظُمَ الأحكام المحددة لسلوك الإنسان وسط الجماعة لم تبقَ فطرية خالصة. فقد تدخلت الإرادة في تغيير ذلك النمط السلوكي الذي سار عليه الأفراد ردحا من الزمان و لا يزالون مقاومين للحفاظ عليه ، و لا نعتقد أن تلك المقاومة ستفتر أو تضمحل يوما ما.


فقد استبدل ” الفكر ) الإنساني ( الخالص” قواعد التنظيم و نقلها من حالتها ” الفطرية ” إلى حالة “الاصطناع ” . حالة تنقل فكرة القانون من كونه ذلك الكائن الوليد من الفطرة الإنسانية و رحم المجتمع و ما استقر عليه السلوك العادي للأفراد و الجماعات إلى قوة قاهرة مسنودة بقوة من يملك أدوات القهر و الإجبار التي تجعل من إرادةِ الأفراد إرادةَ مُدعنة بدون قيد أو شرط .


تدخلت عوامل متعددة في هيمنة الإرادة على تأثير فكرة القانون ، و أهم تلك العوامل عاملي المال و السلطة ، كما تدخلت العوامل الثقافية في تكريس هذه الهيمنة و سيطرتها على نمط التفكير اليومي للفرد و المجتمع بمختلف مؤسساته . لكن كل تلك العوامل لم تكن لتؤتي أكلها لولا العمل على إحداث تغيير جذري في جوهر و كينونة الإنسان ذاته . و في هذا الصدد يجدر بنا الحديث عن دور الآلة الإعلامية باعتبارها الوجه الظاهر لكل ما هو كامن و متداخل من عوامل تتظافر قواها فيما يسمح بتحقيق” المصالح ” بدل الارتكان إلى” القيم ” .


فالآلة الإعلامية أصبحت القوة الدافعة نحو التغيير المنشود في طبيعة تفكيرالأفراد و تحديد سلوكهم اليومي إلى درجة ” التنميط ” ، غير أن ذلك التغيير لا يهدف – في حقيقة الأمر – إلا إلى إيجاد نوع من التطبيع بين القانون ” الفوقي” الناتج عن حالة الاصطناع و سلوك الفرد ، لتبدو العلاقة بينهما علاقة “فطرية ” مشابهة للعلاقة القائمة بين القانون الأصيل و سلوك الأفراد داخل الجماعة .

إنه نوع من التَّأَلُهِ الإرادي القائم على فكرة المحاكاة بين ” الفطرة” و ” الاصطناع” .

إن ” الفكر الإنساني الخالص ” ليس فكرا مخلصا للقيم و المبادئ بالقدر الذي يُخلصللمصالح ، فالمصلحة بالنسبة له هي قيمةالقيم ، و هي الدافع إلى وضع التوجهات الكبرى المُؤسِّسة للقانون ” الفوقي ” الذي يُفرض ليس على الأفراد فحسب بل على الدول أيضا . فمعظم التشريعات الحديثةالمنظمة لمجموعة من جوانب الحياة اليومية تشريعات ” مصلحية ” تهدفبالأساس إلى حماية المصالح حقيقةً بدل القيم ، و لو غُلفت دوافع سن تلك القوانينبقيم فلا تعدو أن تكون قِيَمًا صورية لاتشترك مع القيم الحقيقية إلى في التسميات فقط .


لنظرب لذلك مثلا بقيمة التضامن التي تقوم عليها مجموعة من الاقتصادات و ما تتعرضله من تهميش لفائدة قيمة ” الشفافية ” . و لنخصص الحديث عن القوانين المتعلقة بغسل الأموال مثلا ، هل هي قوانين بالفعل ضرورية للمجتعمات قاطبة أم أنضرورة المصلحة فرضت خلقها لإيجاد موطئ قدم لرؤوس الأموال في الاقتصادات الضعيفة منأجل الاستفادة من خيراتها و مواردها البشرية بأقل تكلفة ؟


في بيئة يسودها الاقتصاد التضامني و المعيشي ، غالبا ما نشهد وجود اقتصاد غيرمهيكل قوي يتعايش بقوة غريبة مع الاقتصاد المنظم ؛ غير أن هذا التعايش لا يشكل أيانزعاج للأفراد بالقدر الذي تكون فيه المصلحة متبادلة بين الاقتصادين ، لذلك تُطرح تساؤلات حول ما إذا كان ضروريا وجود قوانين تسعى إلى إقرار جريمة غسل الأموال أمأن القواعد الجنائية العادية كافية للتصدي إلى الجرائم الأصلية للجريمة المذكورة أم أن الأمر متعلق بخلق قاعدة قانونية عالمية وواحدة تَعْبُر كل التشريعات؟


إن التصدي للجواب عن مثل هذه التساؤلات هو الكفيل بالكشف عن القيمة الحقيقيةالتي تسعى القوانين ” الفوقية ” إلى حمايتها ب” القوة “المستندة إلى مجموعة من الآليات الدولية مثل التقارير التي تصدرها المنظمات وغيرها و ما ينتج عنها من تصنيف للدول . كما يُمَكِّن ذلك الجواب من الوقوف على حقيقة قوة الآلة التشريعية الوطنية في التصديلهذه المحاولات ، وبالتالي مدى قدرة الأفراد الخاضعين للقانون محليا على الالتزامبما تُمليه تلك القواعد بصورة سلسة أو خلق نوع من التمرد على تلك الإملاءات .


إن قوة القانون تبدو ذات وجهين وجه قائم على أصالة القانون التي تسمح باحترامه و احترام القيم التي يحميها بصورة ” فطرية ” و وجه آخر قائم على حالة” الاصطناع ” . ففي الحالة الأولى تنبع القوة من الانسجام و التناغم بينسلوك الفرد و ما تقره قواعد القانون ، و في الصورة الثانية تكون قواعد القانون هيالدافع إلى تغيير سلوك الفرد بما يجعله متماشيا مع ما يتطلبه تنزيل أحكام تلك القواعد .

اعلان