الحجز لدى الغير على ضوء قانون المسطرة المدنية - بوابة القانون المغربي

بوابة القانون المغربي

المدير المسؤول : محمد برغاز

اخر الأخبار

اعلان

الخميس، 8 نوفمبر 2018

الحجز لدى الغير على ضوء قانون المسطرة المدنية


سفيان الفقيهي الحوضي 
باحث في القانون المدني


تعتبر مسطرة الحجز لدى الغير طريقا من طرق التنفيذ الجبري للأحكام القضائية , و يقصد بالحجز لدى الغير المسطرة الرامية إلى حجز أموال المدين الموجودة بين يدي مدين آخر لهذا الأخير , و ذلك إما بواسطة كتابة الضبط بناء على سند تنفيذي و إما بناء على طلب يقدم لرئيس المحكمة المختصة في حالة عدم توفر الحاجز على هذا السند , بحيث يطالب الدائن باستخلاص المبالغ المحجوزة مباشرة أو بتسليمه نتاج بيع الأشياء المحجوزة , و قد خصص المشرع للحجز لدى الغير الفصول من 488 الى 496 من قانون المسطرة المدنية , حين ينص الفصل 488 على "يمكن لكل دائن ذاتي أو اعتباري يتوفر على دين ثابت إجراء حجز لدى الغير باذن من القاضي على مبالغ و مستندات لمدينه و التعرض على تسليمها له".
إذن فالحجز لدى الغير ينصب على منقولات المدين التي توجد في يد الغير و هو إجراء يُمَكن الدائن من التعرض بين يدي مدين مدينه على المبالغ و القيم المنقولة التي يحوزها هذا الأخير و ذلك قصد استخلاص دينه منها , و نظرا للصياغة الغامضة للنصوص المنظمة للحجز لدى الغير فقد تباين العمل القضائي بالنسبة للإجراءات المتعلقة بهذه المسطرة و الجهة المختصة بالبت في دعوى المصادقة على الحجز و رفعه , و هي النقاط التي سنعمل على إدراجها و تحليلها في هذا المقال.

المبحث الأول  : مسطرة الحجز لدى الغير

إن مسطرة الحجز لدى الغير تتطلب أساسا توافر الشروط القانونية لهذا الحجز مع وجوب احترام الإجراءات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية .

الفقرة الأولى : شروط الحجز لدى الغير

نص مشرع ق م م في الفصلين 488 و 491 على شروط إيقاع الحجز لدى الغير , بحيث نصت الفقرة الأولى من الفصل 488 على أنه ’’ يمكن لكل دائن ذاتي أو اعتباري يتوفر على دين ثابت اجراء حجز لدى الغير باذن من القاضي ’’ فيما نص الفصل 491 على ’’ يتم حجز ما للمدين لدى الغير بناء على سند تنفيذي أو بأمر يصدره رئيس المحكمة الابتدائية بناء على طلب بشرط الرجوع إليه عند وجود صعوبة ’’ , اذن فكما نلاحظ من منطوق الفصلين المذكورين أن شروط الحجز لدى الغير الجوهرية هي شرط ثبوت الدين أو توفر السند التنفيذي , و شرط الحصول على الإذن القضائي أو الأمر الصادر عن رئيس المحكمة .

أولا : شرط ثبوت الدين

حجز ما للمدين لدى الغير يختلف عن باقي الحجوزات , لأن حجز الأموال الموجودة بين يدي الغير يغل يد المدين عنها تماما بحيث لا يستطيع استغلالها , أو جني ثمارها , كما أنه يوقف حسابه أو حساباته البنكية و يحرمه من السيولة التي كان يتوفر عليها .
و لما كان السند التنفيذي لا يطرح أي اشكال على مستوى الواقع العملي , لأن المقصود هو الحكم القضائي المذيل بالصيغة التنفيذية أو بعض الأوراق الأخرى التي اعتبرها المشرع سندات تنفيذية , فإن شرط ثبوت الدين المنصوص عليه في الفصل 488 يطرح بعض الإشكالات كون المشرع لم يعرف المقصود بالدين الثابت , و للوقوف على صحة الأمر فلا مناص من تحليل الفصل 488 ق م م , فهذا الفصل أكد أن الدين يجب أن يكون محققا وقت ممارسة الحجز و أن يكون نقدا أو يقدر مؤقتا من طرف القاضي , و أن يكون الدين حالا , و لا يمكن أن يقع الحجز الا على أشياء منقولة مادية أو غير مادية (الديون) , غير أنه يجب أن تكون هذه الأشياء قابلة للحجز, أي أن لا تكون من الأشياء التي نص المشرع على عدم قابليتها للتفويت أو الحجز و مثال ذلك النفقات و التعويضات التي يصرح القانون على عدم جواز حجزها
- إذن فمبدئيا يتم الحجز لدى الغير بناء على سند تنفيذي كحكم بالمديونية قابل للتنفيذ و عند عدم توفر هذا السند يمكن الاستناد الى الاذن القضائي و هو ما سنراه في الفقرة الموالية .

ثانيا : شرط الاذن القضائي  

نص الفصل 491 على ’’...أو بأمر يصدره رئيس المحكمة الابتدائية بناء على طلب ’’ بالتالي فعدم توفر الدائن على سند تنفيذي يخول له سلوك مسطرة الاذن القضائي , و ذلك بناء على أمر من القاضي الذي يكون ملزما باتخاذ كل الاحتياطات الازمة عند إصدار أمره بناء على الطلب الذي قدم اليه و ذلك عند وجود صعوبة .
و لا يمكن للقاضي أن يمنح الحجز لدى الغير إلا إذا أدلى الدائن الحاجز بوثيقة دين ثابتة و حالة , و التي يسوغ للقاضي أن يقدرها نقدا , و لا يمكن أن يستعمل دين غير حال الأجل كأساس لطلب الحجز لدى الغير.
ووجب التذكير أن المشرع أوقف ممارسة الحجز لدى الغير بناء على دين ثابت على شرط الحصول على إذن قضائي كما قلنا , في حين أن سلوك الحجز بناء على سند تنفيذي أمر جائز دون حاجة لاذن أو لأمر, و هذا هو جوهر الاختلاف بين الفصلين 488 و 491 .

الفقرة الثانية : إجراءات الحجز لدى الغير
سنتطرق من خلال هذه الفقرين لإجرائين هامين , إجراء تبليغ الحجز ثم إجراء التصريح بالذمة المالية .

أولا : تبليغ الحجز

استنادا لما ورد في الفصل 492 فإن المشرع جعل من تبليغ الحجز لدى الغير إجراء بالغ الأهمية إذ بين و حدد تفاصيله , حيث يقوم أحد أعوان كتابة الضبط بتبليغ الحجز إلى المدين و كذلك إلى المحجوز لديه , و بمجرد تقديم الطلبات أو السندات التنفيذية بشأن إيقاع الحجز لدى الغير , يتم تقييد الحجز في سجل خاص بكتابة الضبط بتاريخه و إذا تقدم دائنون متعددون بطلب من أجل إيقاع نفس الحجز يتم تقييد هذه الحجوزات بالسجل المذكور على أن يقوم كاتب الضبط باشعار المدين المحجوز عليه و الغير المحجوز لديه بكل حجز و ذلك في ظرف 48 ساعة عن طريق كتاب مضمون أو بتبليغ بمثابة تعرض و هذا طبعا كله قبل أن يقوم رئيس المحكمة باستدعاء الأطراف لجلسة قريبة خلال الثمانية أيام الموالية للتبليغات المنصوص عليها في الفصل 492.
-و تجدر الإشارة أنه اذا تعلق الأمر بأجور أو مرتبات فإن الحجز وجب أن يقع بين يدي صاحب الصندوق في المكان الذي يعمل به المحجوز عليه , كما يجب الإشارة أن الحجز يجب أن يبلغ باحترام القواعد الإدارية كلما تعلق الأمر بالموظفين , أما ما يتعلق بالمبالغ المستحقة للدولة و الجماعات و المؤسسات العمومية فانه يجب أن تتبع مسطرة خاصة فيما يتعلق بالمبالغ المستحقة للدولة و مؤسساتها و ذلك تحت طائلة البطلان .

ثانيا : التصريح بالذمة المالية

-إن المرحلة الموالية لتبليغ الأطراف تتمثل في حضورهم أمام رئيس المحكمة , الذي يقوم بمحاولة من أجل اتفاقهم على توزيع المبالغ المحجوزة لدى الغير , و لا يخرج الأمر هنا عن حالتين , إما أن يتفق الأطراف على توزيع المبالغ ثم يحرر محضر الاتفاق و تسليم قوائم التوزيع فورا , و إما أن لا يتفق الأطراف على ذلك و هو ما يؤدي الى سلوك الإجراءات المنصوص عليها في الفصل 494 الذي جاء في معرضه ’’ ..إذا لم يقع اتفاق سواء في الدين نفسه أو في التصريح الإيجابي للغير المحجوز لديه .. ’’ و يقصد بالتصريح الإيجابي الاعتراف من طرف الغير المحجوز لديه بوجود مبالغ بين يديه تعود ملكيتها للمحجوز عليه , ففي حالة عدم اتفاق الأطراف و عدم صدور التصريح الإيجابي تؤخر القضية الى جلسة أخرى يحدد تاريخها فورا و يقع هذا التأخير أيضا في حالة غياب بعض الأطراف , و في الجلسة الجديدة يدخل القاضي في مناقشة تتعلق بصحة أو بطلان الحجز أو لرفع اليد عن هذا الحجز , و يستخلص من الفصل 494 أن المشرع قد أراد أن يجعل حقوق الحاجز اتجاه المحجوز عليه موازية لحقوق هذا الأخير اتجاه الغير المحجوز لديه , و ختاما فان الفصل 495 أكد على براءة ذمة المحجوز لديه في حالة وجود مبلغ كاف لتسديد جميع التعرضات المقبولة ذمته بأدائه بين يدي المتعرضين مبالغ ديونهم بما فيها رأس المال و التوابع التي تقررها المحكمة , و اذا لم يكن المبلغ كافيا فان المحجوز لديه تبرأ ذمته اذا قام بايداع المبلغ لدى كتابة الضبط حيث يوزع هذا المبلغ على جميع الدائنين بالمحاصة .

المبحث الثاني : دعوى المصادقة على الحجز و رفعه

الفقرة الأولى : دعوى المصادقة على الحجز و الجهة المختصة في البت

أولا : دعوى المصادقة

عرفت مسألة تقديم دعوى المصادقة على الحجز اختلافا بين الفقه و القضاء , و ذلك بين من ذهب في اتجاه وجوب تقديم الدعوى و بين من يرى عكس ذلك , فمن الفقه من يرى أن دعوى المصادقة على الحجز لدى الغير في اطار الفصل 494 ق م م تقام بصفة تلقائية بعد عدم التوصل إلى اتفاق بين الأطراف , و هناك من الفقه من يعتبر أن هذه الدعوى ترفع أمام المحكمة الابتدائية المصدرة لقرار الحجز وفق الشكليات المحددة في الفصل 32 ق م م , و في هذا الصدد لا بد من إدراج أمر كان قد صدر عن رئيس المحكمة الابتدائية بأكادير جاء فيه ما يلي ’’ حيث إن المحجوز عليها تخلفت عن الحضور رغم توصلها مما يتعين معه الإشهاد بعدم الاتفاق و الانتقال الى مرحلة التصحيح طبقا للفصل 494 من ق م م ’’ و يبقى الاتجاه الأقرب الى الصواب أنه في حالة ما اذا كان الحجز هو بناء على سند تنفيذي فليس من الضروري تقديم طلب جديد بخصوص دعوى المصادقة , و ذلك تماشيا مع ما تضمنه الفصل 494 و مادام أنه حتى في ظل قانون المصاريف القضائية المدنية , التجارية , و الإدارية فإن طلبات تصحيح الحجز لدى الغير تستفيد من المجانية اذا كان بيد الحاجز سند تنفيذي في حالة كان الدائن لا يتوفر على سند تنفيذي فمن الضروري أن يتم تقديم الطلب الرامي للمصادقة مع أداء المصاريف القضائية .
و من الشروط الإجرائية الضرورية لدعوى المصادقة على الحجز تلك المتعلقة بالتأكد من تبليغ الحجز الى المحجوز لديه و المحجوز عليه , و اذا توفرت شروط الحجز و صرح المحجوز لديه بأنه قام فعلا بحجز مبالغ بين يديه , تتم المصادقة عليها و ذلك بالاذن بتسليمها للدائن الحاجز , أما إذا أدلى المحجوز لديه بتصريح سلبي أنكر فيه وجود أية مبالغ للمحجوز عليه بين يديه , و لم ينازع في ذلك الحاجز و لا المحجوز عليه او نازع فيه أحدهما و لكن المحكمة ردت منازعته ففي هذه الحالة يقع الحجز لدى الغير باطلا لانتفاء المحل .

ثانيا : اختصاص البت في دعوى المصادقة

من المؤكد أن المشرع منح الاختصاص في اطار الأمر بالحجز لدى الغير أو برفعه لرئيس المحكة الابتدائية وفق السلطة الولائية لهذا الأخير و ذلك طبقا لما جاء في الفصلين 148 و 491 ق م م , هذا ما يخص الاختصاص المكاني , أما الاختصاص النوعي فإن الفصل 494 شابه نوع من الغموض في هذا الصدد , فلم يوضح المشرع ما اذا كان الرئيس في حالة عدم اتفاق الأطراف يحيلهم على قضاء الموضوع أو يقوم بالمصادقة على الحجز تلقائيا , و إن بت في طلب المصادقة فهل يبت بصفته قاضيا للمستعجلات في اطار الفصل 149 ق م م ؟ و أمام هذا اللبس لا مناص من الرجوع إلى العمل القضائي لبيان الجواب الشافي عن هذا التساؤل , و في هذا الصدد تضمن أمر صادر عن رئيس المحكمة الابتدائية بمراكش عدد 48 سنة 1998 ما يلي ’’ نحن رئيس المحكمة الابتدائية بمراكش بصفتنا قاضيا للمستعجلات .. ’’ , اذن فبعض القضاء ذهب الى اعتبار أن رئيس المحكمة يبت في اطار الفصل 149 , أي بمسطرة حضورية , و هناك اتجاه قضائي اخر اعتبر في بعض الأوامر الرئاسية أن البت في طلبات المصادقة يتم في اطار الفصل 148 أي أن رئيس المحكمة يبت بصفته قاضيا للأوامر المبنية على طلب , بمعنى أن المسطرة تكون غيابية , و هو ما يطرح إشكالات بخصوص التصديق على الحجز دون التبليغ , و هو نفس ما ذهب اليه رئيس المحكمة التجارية بطنجة كذلك في أحد قراراته .
-و الراجح أنه لا يجوز لرئيس المحكمة البت في طلب المصادقة بصفته قاضيا للأوامر المبنية على طلب بمسطرة غيابية ما دام الفصل 494 ينص على وجوب حضور الأطراف , كما أنه لا يسوغ البت في اطار الفصل 149 أي كقاضي المستعجلات إذا تبين أن شرطي الاستعجال و عدم المساس بالجوهر لا يتوافران في دعوى المصادقة لكون الحق محل الدعوى لا يحدق به خطر أو ضرر مستعجل .

الفقرة الثانية : دعوى رفع الحجز

و هي دعوى يرمي المحجوز عليه من خلالها بعد تبليغه بقرار الحجز الى التخلص من اثار الحجز لرغبته في تسلم أمواله من جديد من مدينه.
و في هذا الصدد تطرح بعض التساؤلات كذلك بخصوص ما اذا كان هذا الطلب يقدم في اطار الفصل 491 أي لقضاء المستعجلات أم في اطار الفصل 494 أي لجلسة البت في صحة الحجز أو بطلانه أو رفع اليد عنه , و هو ما أجاب عنه العمل القضائي في الأمر الصادر عن رئيس ابتدائية الرباط 23/06/1986 و الذي جاء فيه ما يلي ’’مناط اختصاص قاضي المستعجلات للنظر في طلب رفع الحجز لدى الغير رهين بوجود حالة التعسف الظاهر في هذا الاجراء لأن مناقشة عدم جدية الحجز يجب أن تتم بمقتضى صريح النص في نطاق دعوى تصحيح الحجز ’’ .
ان مسطرة المستعجلات تصبح غير ممكنة بمجرد إقامة دعوى المصادقة على الحجز لدى الغير و ذلك لاستحالة البت في طلب رفع الحجز دون المساس بالجوهر و الذي يعود أمر البت فيه – لجوهر – لقضاء الموضوع وفق القواعد العامة , أما اذا كان الحجز قد تم بناء على سند تنفيذي فلا مجال للمطالبة برفعه من قبل قاضي المستعجلات بما أن الجانب المتعلق بالمديونية قد تم البت فيه نهائيا بحكم نافذ صادر عن قضاء الموضوع .


المراجع :

1- الشرح العملي لقانون المسطرة المدنية , الأستاذ عبد الكريم الطالب

2- شرح فصول قانون المسطرة المدنية للأستاذ أدولف ريولط , المحامي العام السابق بالمجلس الأعلى

3- دليل الملحق القضائي في المسطرة المدنية


4- الأستاذ يونس الزهري , دعوى المصادقة على الحجز.

اعلان